منذ تقديم النموذج التنموي الجديد سنة 2021، دخل المغرب مرحلة جديدة عنوانها البحث عن تحول عميق في فلسفة تدبير الشأن العام، ليس فقط عبر إطلاق المشاريع والاستراتيجيات، بل عبر إعادة تعريف دور الدولة نفسها، والانتقال من منطق “تدبير الدولة” إلى “دولة النتائج”، أي دولة تقاس فيها السياسات العمومية بمدى أثرها الحقيقي على حياة المواطنين، لا بحجم الميزانيات التي تصرف أو عدد البرامج التي يتم الإعلان عنها، وهو التحول الذي شكل أحد أهم مرتكزات النموذج التنموي الجديد باعتباره محاولة لتجاوز أعطاب تراكمت لعقود وجعلت التنمية في كثير من الأحيان منفصلة عن انتظارات المجتمع وعن التحولات العميقة التي يعرفها المغرب.
لقد جاء النموذج التنموي الجديد في سياق وطني اتسم بارتفاع منسوب الانتظارات الاجتماعية، وتراجع الثقة في الفعل السياسي والمؤسسات الوسيطة، واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية، حيث أدرك المغرب أن تحقيق النمو الاقتصادي لم يعد كافيا لوحده لضمان الاستقرار الاجتماعي وبناء الثقة، لأن التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بالأرقام والمؤشرات الماكرو اقتصادية، بل بقدرة المواطن على الشعور بالكرامة والإنصاف والعدالة الاجتماعية، وهو ما جعل النموذج التنموي يركز على الإنسان باعتباره محور التنمية وغايتها الأساسية، خاصة وأن الفوارق كبيرة، حيث لا يزال حوالي 2,5 مليون مغربي يعيشون في وضعية فقر، فيما يوجد نحو 3 ملايين آخرين في وضعية هشاشة، مع استمرار تفاوتات مجالية كبيرة بين الجهات والأقاليم.
ورغم ما حققه المغرب خلال السنوات الأخيرة من تطور في البنيات التحتية والطاقات المتجددة وجلب الاستثمارات الأجنبية، فإن الواقع الاجتماعي لا يزال يكشف وجود اختلالات عميقة، حيث بلغت البطالة حوالي 13 في المئة خلال سنة 2025، أي ما يقارب 1,62 مليون عاطل عن العمل، مع استمرار بطالة حاملي الشهادات في مستويات مرتفعة، وهو ما يعكس وجود فجوة واضحة بين النمو الاقتصادي والقدرة الفعلية على خلق فرص الشغل وتحسين الأوضاع الاجتماعية، كما أن ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم وتراجع القدرة الشرائية جعل فئات واسعة من الطبقة الوسطى تشعر بأن ثمار النمو لا تصل اليها بالشكل المطلوب، وهو ما أعاد بقوة سؤال العدالة الاجتماعية وتقاسم ثمار التنمية.
غير أن الإشكال الأكبر لا يكمن فقط في تنزيل النموذج التنموي، بل كذلك في محاولة بعض القوى والنخب تحويله من مشروع وطني استراتيجي جامع الى مجرد أداة تقنية أو سياسية تخدم مصالح ضيقة، حيث برزت خلال السنوات الأخيرة نزعة واضحة نحو السطو الرمزي والسياسي على النموذج التنموي الجديد، عبر تقديمه وكأنه ملكية حصرية لحكومة معينة أو لفئة محددة، في حين أن النموذج في جوهره يمثل رؤية دولة ومشروعا مجتمعيا طويل المدى يتجاوز الحكومات والأغلبيات الظرفية، ويهدف الى بناء تعاقد اجتماعي جديد يعيد الثقة بين الدولة والمجتمع.
لقد حاولت بعض النخب اختزال النموذج التنموي في لغة الأرقام والبرامج الدعائية، مع التركيز المكثف على التواصل السياسي أكثر من التركيز على الأثر الحقيقي للسياسات العمومية، وهو ما أدى تدريجيا الى تحريف جزء من فلسفة النموذج، لأن الهدف لم يكن إنتاج خطاب تسويقي جديد، بل إحداث تحول عميق في علاقة الدولة بالمواطن، والانتقال من منطق تدبير الملفات الى منطق تحقيق النتائج، ومن ثقافة السلطة الإدارية الى ثقافة الخدمة العمومية وربط المسؤولية بالمحاسبة، ولعل أبرز الأمثلة على هذا التحريف، هو استمرار استفادة فئات اقتصادية محدودة من قطاعات استراتيجية مرتبطة بالاستهلاك اليومي للمواطنين، دون انعكاس ذلك على الأسعار أو القدرة الشرائية، كما هو الحال في قطاع المحروقات الذي ظل موضوع جدل واسع منذ تحرير الأسعار، حيث كشفت تقارير مجلس المنافسة استمرار تحقيق هوامش ربح مرتفعة من طرف عدد من الفاعلين الكبار رغم تراجع الأسعار الدولية في بعض الفترات بالإضافة إلى التعطيل الممنهج الاليات المنافسة و تكريس الطابع الإحتكاري و مراكمة الارباح على حساب المواطن المغربي الذي استمر في تحمل الكلفة لوحده.
كما أن اختلالات سلاسل التوزيع والوساطة كشفت بدورها حدود تنزيل النموذج التنموي على أرض الواقع، حيث برزت ظاهرة “الفراقشية” والمضاربة في عدد من المواد الأساسية والفلاحية، وهو ما أدى في عدة مناسبات الى ارتفاع الأسعار بشكل غير مبرر، رغم الدعم العمومي الموجه لبعض القطاعات الإنتاجية، فبدل أن يساهم النموذج التنموي في بناء اقتصاد تنافسي يضمن العدالة في السوق وحماية القدرة الشرائية، وجد المواطن نفسه أمام منظومة يستفيد منها الوسطاء والمضاربون أكثر مما يستفيد منها المنتج أو المستهلك، وهو ما يعكس استمرار منطق الريع والاحتكار وضعف آليات المراقبة والحكامة الاقتصادية.
وتبرز مظاهر هذا الاختلال أيضا داخل ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي يعد أحد أهم الأوراش الملكية والاجتماعية في المغرب، حيث كشفت المعطيات الرسمية أن المصحات والعيادات الخاصة أصبحت تستحوذ على حوالي 91 في المئة من نفقات التأمين الإجباري عن المرض، مقابل 9 في المئة فقط للمستشفيات العمومية، فيما تصل هذه النسبة الى 97 في المئة بالنسبة لبعض أنظمة التأمين الخاصة بالأجراء وغير الأجراء.
وهذا الواقع يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة النموذج الصحي الذي يتم تكريسه في المغرب، لأن الهدف من تعميم التغطية الصحية لم يكن فقط توسيع عدد المستفيدين من التأمين، بل بناء منظومة صحية عادلة وقوية تضمن الولوج المتكافئ للعلاج، غير أن ما يحدث فعليا هو انتقال جزء مهم من الأموال العمومية واشتراكات المواطنين نحو القطاع الخاص، في ظل استمرار ضعف المستشفيات العمومية ونقص الموارد البشرية والتجهيزات، وهو ما يهدد بظهور “صحة بسرعتين”، صحة ذات جودة لمن يستطيع الأداء داخل المصحات الخاصة، وصحة هشة للفئات الفقيرة داخل القطاع العمومي.
كما أن جزءا من الأزمة الحالية يرتبط بمحاولة إعادة إنتاج نفس المقاربات القديمة داخل النموذج الجديد، أي الاستمرار في الاعتماد على منطق المركزية المفرطة، وضعف إشراك المجتمع والقوى السياسية والمدنية، وهيمنة المقاربة التكنوقراطية على حساب النقاش السياسي العمومي، في حين أن النموذج التنموي كان يفترض أن يشكل فرصة لإعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها أداة للتأطير والوساطة وإنتاج الحلول الجماعية، لا مجرد آلية انتخابية ظرفية مرتبطة بتدبير الأغلبية والمعارضة.
ومن أخطر مظاهر تحريف مسار النموذج التنموي أيضا، تحويله أحيانا الى غطاء لتبرير السياسات العمومية بدل اعتباره مرجعية لتقييمها ونقدها، حيث أصبح الخطاب الرسمي يتحدث بكثرة عن النموذج التنموي، في الوقت الذي تستمر فيه اختلالات الحكامة وضعف الالتقائية وتعثر الإصلاحات البنيوية، وهو ما خلق نوعا من التناقض بين قوة الخطاب وضعف الأثر، وبين وفرة البرامج واستمرار الإحساس الاجتماعي بالتهميش والهشاشة، خاصة مع ارتفاع معدل الهشاشة الى حوالي 12,9 في المئة، وامتداد الظاهرة بشكل متزايد نحو الوسط الحضري بعدما كانت مرتبطة أساسا بالعالم القروي.
إن “دولة النتائج” لا يمكن أن تتحقق في ظل استمرار منطق الريع والاحتكار وضعف تكافؤ الفرص، لأن التنمية الحقيقية تحتاج الى دولة قوية بعدالتها وشفافيتها وقدرتها على حماية المنافسة وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما تحتاج الى مؤسسات سياسية قادرة على التأطير والتعبئة وإشراك المجتمع في صناعة القرار، لا الى مجرد مؤسسات انتخابية تشتغل فقط خلال المواسم السياسية، فغياب النفس السياسي والإصلاحي الحقيقي يجعل أي مشروع تنموي معرضا للتحول الى مجرد وثيقة تقنية مهما كانت جودتها الفكرية والاستراتيجية.
كما أن الانتقال من “تدبير الدولة” الى “دولة النتائج” يقتضي إعادة الاعتبار للبعد السياسي في التنمية، لأن الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية ليست محايدة، بل تعكس توازنات ومصالح ورؤى مختلفة حول طبيعة الدولة والمجتمع، ولذلك فإن نجاح النموذج التنموي رهين بوجود إرادة سياسية حقيقية قادرة على مواجهة لوبيات الريع والمصالح الضيقة، وقادرة كذلك على جعل العدالة الاجتماعية أولوية فعلية لا مجرد شعار ظرفي، لأن أي مشروع تنموي يفقد معناه حين تتحول التنمية الى مجرد أرقام نمو لا يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية.
ان الرهان اليوم، هو حماية النموذج التنموي الجديد من محاولات الاختزال والسطو والتحريف، وإعادته الى روحه الأصلية باعتباره مشروع وطني لبناء مغرب الكرامة والعدالة والنجاعة، مغرب تكون فيه الدولة في خدمة المواطن، وتقاس فيه السياسات العمومية بنتائجها الحقيقية على التعليم والصحة والشغل والعدالة الاجتماعية، لا بعدد البلاغات والمشاريع المعلنة، لأن مستقبل المغرب لن يحسم فقط في المؤشرات الاقتصادية، بل في قدرته على بناء دولة نتائج حقيقية تعيد الثقة للمواطن وتمنحه الشعور بأنه شريك فعلي في التنمية وليس مجرد متلق لوعودها.
