يبدو ان التنافر هو السمة البارزة التي تطغى على العلاقة بين مكونات الأغلبية الحكومية ، فما يحصل داخل قبة البرلمان بين فرق الأغلبية ، يدفع بشكل جدي إلى التساؤل حول مدى تماسك الحكومة ، و مدى توافق مكوناتها ، حول التوجهات و القضايا التي من المفروض ان تنكب عليها الحكومة .
تشنج العلاقة بين مكونات الأغلبية الحكومية ، لم يعد يحتاج الى توضيح ، فهو بات بارزا للعلن بشكل متزايد و قوي ، خاصة في ظل الانتقادات اللاذعة التي يوجهها الفريق الإستقلالي بمجلس النواب ، و اخرها مشروع قانون المالية، و تأكيده على اصرار حزب الاستقلال على الوفاء بوعوده الانتخابية التي تجاوزها المشروع ، و الانتقادات القوية التي يواجه بها وزراء الحكومة خلال أعمال اللجان من طرف نواب الأغلبية ، من ابرزها مداخلة النائب عن حزب الأصالة و المعاصرة ، هشام المهاجري، اتجاه فرض جواز التلقيح ، هذا بالإضافة إلى الردود المتوثرة الصادرة عن الفريق التجمعي في حق مكونات الأغلبية.
أزمة العلاقة بين مكونات الأغلبية ، بدأت تجد لها مبررات من داخل الأغلبية نفسها ، بحيث يحاول البعض ، تسويق خطاب من قبيل ، ضرورة وضع الفرق بين الأغلبية الحكومية و الأغلبية البرلمانية ، و ان علاقة البرلمانيين يجب ان تأخد مسافة من الحكومة ، بل ان هناك من ذهب الى حد اعتبار الاحتكاك المتواصل بين فرق الأغلبية ، هو نوع من النصح و الارشاد الداخلي للحكومة .
للاسف ما يقفز عليه هؤلاء ، هو ان تماسك و انسجام الحكومة الذي بشر به رئيسها عزيز اخنوش ، اثناء تشكيل اغلبيتها ، يقتضي بالاساس توضيح الفعل الميداني لمكوناتها ، على الساحة البرلمانية ، فلا يعقل ان تتعرض مشاريع و اعمال الحكومة للجلد البرلماني من طرف فرق الأغلبية ، ليتم التصويت عليها فيما بعد ، و كان الامر يتعلق بمسرحية محكمة الادوار .
ما تقوم به الأغلبية الحكومية اليوم ، على مستوى البرلمان ، هو نوع من التمييع السياسي ، و اقرار مؤكد من طرفها بغياب السند السياسي و الشعبي للحكومة ، و هو كذلك انعكاس جلي لطبيعة العلاقة المتنافرة التي تجمع هذه المكونات ، مما سينعكس بشكل مباشر على أداء الحكومة و يزيد من ارتبابكها الذي ظهر منذ اليوم الاول لتنصيبها .
للاسف كذلك ، ان فرق الأغلبية الحكومية اليوم ، تتنصل من انتقاداتها السابقة لازدواجية المواقف التي كانت تطبع ممارسة حزب العدالة و التنمية ، اثناء تدبيره للشأن الحكومي ، و تكرس لنفس المنطق المزدوج المبني على الرفض و المعارضة ، و التصويت الايجابي في نفس الوقت ، و هو ما سيدفع بلا شك الى التآكل السريع للرصيد الشعبي لهذه الحكومة، باعتبار الضبابية التي تخلقها مكوناتها لدى الرأي العام .
من المفروض ان ما يجمع مكونات الأغلبية الحكومية ، هو تقاطع برامجها و تطابق توجهاتها و تصوراتها لمختلف القضايا و الملفات التي تدبرها الحكومة ، و من لا يجد نفسه في هذه الحكومة يجب ان لا يكون جزء منها و ان لا يعمل بمنطق المثل الشعبي "عيني منو او يخ فيه " ، فلا يمكن ان تحافظ على رصيدك الشعبي و انت جزء من حكومة تجهز على مكتسبات الشعب .
الوضوح السياسي و المؤسساتي ، يقتضي وجود أغلبية حكومية ، قادرة على تحمل مسؤوليتها و تجسيد التماسك الحكومي في اقصى حدوده ، و وجود معارضة تضطلع بادوارها و تقوم بممارسة رقابتها للحكومة و تعترض على سياساتها و اجراءاتها التي تخالف تطلعات و رهانات الشعب المغربي ، و غير هذا فإن الأمر سيتعلق بتشويش مقصود على العمل السياسي ، و ضرب غير مبرر في مصداقية المؤسسات.
ما يقع اليوم بين مكونات الأغلبية ، مؤشر جدي على غياب الانسجام بينها ، و هو ما يهدد وحدة و استمرارية الحكومة ، و يضرب في العمق مصداقية الاجراءات و الإصلاحات التي تنوي مباشرتها ، و يشكك في قدرتها على الوفاء بوعودها المتعددة التي اطلقتها اتجاه الشعب المغربي ، و يرهن البلاد داخل منطق معطل للبناء المؤسساتي الوطني القوي و المستجيب للرهانات و التحديات التي تواجهها بلادنا .